©2019 by Birzeit Digital Diploma. 

  • YouTube - Black Circle

عبد الحق قنداح

116030.jpg

التصوير الرقمي 

مشروع التخرج

Digital-Storytelling.jpg

انتاج وتحرير متعدد الوسائط

إنتاج التقارير بتقنية 360 درجة

FRATEE.-WRITING-FOR-DIDGITAL-MEDIA.jpg

الكتابة الصحفية للإعلام الرقمي 

صحافة الموبايل 

الكتابة الصحفية للإعلام الرقمي

 

بين بصمتين

أقف أمامها كل صباح، تتفحصني باهتمام محدقة في عينيّ، ولمزيد من التيقن تطلب إبهامي متحسسةً إياه، وبصوت رقيق تقول لي شكراً لك، أُدير ظهري حانقاً عليها، لا تعجبني، تقيد حركتي لساعات طويلة، جلّ إهتمامها تواجدي بمكان وجودها، لا يهمها ماذا أفعل، فيشتد حنقي عليها وعلى من وضعها، إنها بصمة الدوام.

يصعد بي المصعد إلى الطابق الأخير، ويفتح بابه ليقذف بي إلى مكتب الوزير. وزير ومدير مكتبه وتسع فتيات وأنا. أسير في الممرات وصولاً لمكتبي، فأشتم روائح العطر الزكية، وأصطبح بوجوه متبسمة وأخرى غضب الله عليها.

أشرب فنجان قهوتي الصباحي، ويأتي بعض الموظفين لتجاذب أطراف الحديث فيما يعرف في أروقة الحكومة  بالجلسة الصباحية، يرن هاتفي، وفد معين في طريقه إلينا؛ لذا تجهزوا للتغطية الإعلامية. أذهب وبرفقتي ثلاث فتيات يعملن معي في دائرة الإعلام، ندخل الاجتماع، وأجلس لتدوين ما سينجم عن اللقاء، وما تبقى من الفريق يلتقط الصور الثابتة والمتحركة.

في الحقيقة أكتب التقرير قبل أن يمضي نصف وقت اللقاء، فقد تحول من تقرير إلى نموذج محفوظ، تتبدل خلاله الأسماء والقضايا. لقد عملت مع ثلاثة وزراء وتحت إدارة عدة مديرين منذ تخرجي حتى اللحظة: وزير كان شديد الدقة والملاحظة على تقاريري فأفادني، وآخر أكتب كلاماً من رأسي وأنسبه له فيثني عليّ، أما الثالث فيقرأ جيداً ويشير بالملاحظات، لكن في مرات قليلة.

حان موعد الفطور، فيتحول الطابق إلى خلية نحل، تتعالى الأصوات، وتنشط الحركة، وتفوح الروائح، ينقسم الطابق إلى مجموعتين في مكاتب مختلفة، تملأ الضحكات أرجاء المكان، والنميمة على أشدها، ينتهي الطعام وتبدأ الأحاديث في شؤون الناس، والأكل، والملابس، والمكياج. أحاديث تمتد لساعات؛ ما دام أن أحداً لا يقاطع الجلسات الحميمية.

أدركت في بداية عملي أن دوام الحكومة انتحار بطيء، إن لم يتخذ الموظف الإجراءات الوقائية. روتين قاتل ينهش الموظف حتى يندمج في منظومة أكبر تقوم على الكسل، "لن أكون جزءاً في أحاديث الرواتب وخصومات التقاعد بعد ثلاثين سنة"، قلت لنفسي، " فليس من أجل هذا درست الإعلام".

أتى موعد جلسة الشاي. بعيون مثقلة من النعاس لقلة العمل، وهدوء مطبق على الجمع بعد ساعات الأحاديث الطويلة، يبدأون شرب الشاي لاستعادة شيء من النشاط، لا لبدء العمل، إنما لاستكمال ما تبقى من الحديث قبل نهاية الدوام، الملل يجتاح الجميع، فالكسل يقف سداً منيعاً بينهم وبين العمل، ينجح قلة في تجاوزه، لكن الآخرين يستسلمون للكسل، وتتوالى الأيام، ليتحولوا إلى عالة، ويدخلون منظومة البطالة المقنعة.

أنجز مهامي اليومية فيتبقى متسع من الوقت، فأهرب إلى حاسوبي ، أنجز تقارير تحكي عن تغير المناخ، أرسلها لمؤسسة في ألمانيا أعمل معها عن بعد، فإذا فرغت منها، تمسكني الكتب من يديّ، وتأخذني إلى عوالم أخرى، وبعد برهة أعود منها إلى مكتبي، لأهتم بوردتي التي غرستها منذ فترة طويلة، أو لأتعلم مهارة جديدة تدفعني إلى الأمام.

تمرّ الساعة الأخيرة من الدوام كالدهر على من في الطابق، فلا تُفاجأ إن رأيتهم نياماً،عدد قليل يعمل، وما تبقى سارح في ملكوت الله، وتعقد في كثير من الأحيان جلسة قهوة أخيرة مع المدير.

لم تعجبني العلاقات العامة قط، وكانت لصيقة حياتي المهنية حتى اللحظة، ربما نكاية بي. مللت من تلميع الوزراء، وحب الظهور في الإعلام على الفاضي والمليان، لذا لم أرَ نفسي في هذا المكان حتى اللحظة، وأواظب على التعلم والتدرب لكي أتمرس في الإعلام أكثر؛ انتظاراً لفرصة قد تأتي، أو ربما تنتظرني لأذهب إليها.

أتت اللحظة المنتظرة بعد سبع ساعات، الكلّ يقف بحيوية أمام المصعد، يتلهفون للإفراج من معتقلهم هذا، يلتهمنا المصعد ويهبط سريعاً.

أتقدم إليها وفي نظراتي توق لها، تطلب عينيّ فأعطيها إياهما، وأضغط  مغلولاً بإبهامي عليها، فتقول لي معاتبة على فراقي شكراً لك، سأنتظرك غداً، أدير وجهي متجهماً، قائلاً لها لعلي لا أراكِ بعد يومي هذا أبدا. 

انتاج وتحرير متعدد الوسائط

 

التصوير الرقمي