©2019 by Birzeit Digital Diploma. 

  • YouTube - Black Circle

شيرين أبو عاقلة

116030.jpg

التصوير الرقمي 

مشروع التخرج

Digital-Storytelling.jpg

انتاج وتحرير متعدد الوسائط

إنتاج التقارير بتقنية 360 درجة

FRATEE.-WRITING-FOR-DIDGITAL-MEDIA.jpg

الكتابة الصحفية للإعلام الرقمي 

صحافة الموبايل 

الكتابة الصحفية للإعلام الرقمي

 

ثلاث ليال في مستوطنة نفيه دكاليم

كان الانتطار في الباص ثقيلا، ونحن نقف في معسكر للجيش الإسرائيلي يقع خارج قطاع غزة. تجاوزت الساعة السابعة، وأنا أكره العمل ليلا، لكن الدخول الى القطاع وتحديدا إلى المستوطنات التي يستعد جيش الاحتلال لإخلائها كان محكوما بأوامره.

كان ذلك في أواسط آب أغسطس من عام ألفين وخمسة، تحركنا قبل منتصف الليل بقليل، ودخلنا مستوطنة نفيه دكاليم، وهناك بلغنا أحد ضباط الجيش أننا لن نتمكن من مغادرة المستوطنة قبل إخلاء آخر مستوطن فيها، فعرفنا أننا عالقون هناك لأيام.

أسعفنا موعد الدخول فقد كانت المستوطنة هادئة بخلاف الأجواء الساخنة نهارا، ومن بقي فيها من المستوطنين قد أخلد الى النوم، اما أنا وزملائي الثلاثة من قناة الجزيرة فقد اعتلينا أحد اسطح البنايات التي كانت حتى ساعات قليلة المجلس البلدي لكبرى مستوطنات القطاع. لأيام عدة صار ذاك السطح مكتبا للصحفيين العاملين مع وكالات الأنباء العالمية، ومنهم قناة الجزيرة.

عملنا لبضع ساعات في تلك الليلة، ثم توجهنا الى أحد البيوت ننال فيه قسطا من الراحة. كان البيت يعود الى عائلة من المستوطنين أخلوه طوعا - تجنبا لدفع غرامات فرضت على الرافضين لخطة الانسحاب - استأجرناه مقابل ثمانمئة دولار لمدة ثلاث ليال، لم تدفع لمن أخلوه بطبيعة الحال، ولكن لجهات تجد في مثل هذه الأوقات فرصة لجني الأموال. وقفنا امام باب البيت وقد تملكنا الخوف، انا التي لم أدخل يوما بيتا للمستوطنين سأمضي هنا ليلة كاملة بل عدة ليال. قلت لزملائي: لا أشعر بالراحة، فدخلنا في مشادات كلامية كانت على وشك ان تفضح امرنا امام جيراننا المستوطنين الغاضبين، اعتقد اننا كنا آخر من يتوقون لرؤيته في تلك الليلة.

دخلنا البيت الواسع، وتوزعنا في غرفه، كنت وزميلتي نحمل معنا فرشتين ووسادتين، ووجد زميلانا فراشا متروكا يمضيان عليه الليل. لا فرق بين الغرف الخالية الا بالعبارات التي طرزها المستوطنون وراءهم على جدران الغرف، بعضها يوجه اللوم للجنود الاسرائيليين المشاركين بإخلاء الأطفال من البيوت، وأخرى تتهم الجيش بالعمالة. لقد وجدت هذه العبارات طريقها الى الأشخاص الخطأ. لكن ثمة شيئا آخر لفت انتباهنا في البيت وهو مذياع صغير ظل متروكا هناك، شغلناه من قبيل التندر فاذا بنجاة الصغيرة تنشد إحدى أغانيها.

عدنا صباحا الى مكتبنا على سطح المجلس البلدي، وكانت جميع المحال التجارية في المستوطنة قد اقفلت أبوابها، وأخليت تماما من البضائع، ولذلك كنا حملنا معنا طعامنا، بعض من الخبز والمعلبات يتعين أن تكفينا فترة اقامتنا في المستوطنة. الى اليوم، يذكرني زميلي المصور نبيل بذلك الموقف حين جاء الي طالبا ان نفتح علبة ذرة لأنه ما زال جائعا، قلت له اتركها ليوم غد، والا جعنا جميعا.

كان التحدي الأبرز امامنا ان نحافظ على أمننا، لا أذكر أنني غادرت سطح ذاك المبنى في اول يومين الا في طريقي من والى البيت. خلال ساعات النهار كنا نكتفي بالمراقبة من الأعلى، كنت أرسل الأخبار، وأتابع التغطية المباشرة في النشرات، وأوكلنا الى مصورنا مجيد الذي يتقن اللغة الروسية مهمة تأمين صور اخلاء المستوطنين. اليوم يتساءل زميلي، كيف قبلت؟ وماذا لو اكتشفوا أمري وانا اكذب في كل مرة سألوني فيها لأي وسيلة إعلام أنتمي.

تحصن عشرات المستوطنين في كنيس في المستوطنة، لكن أعدادهم أخذت تتناقص، وفي اليوم الأخير لم نعد نشعر بالخوف، نزلنا الى الأرض، نراقب إخلاء البقية الباقية عن قرب.

لأول مرة في حياتي كنت أشاهد المستوطنين يجبرون على الخروج من أرض فلسطينية، وللحظات تملكتني مشاعر عارمة من الفرح، كنت أقف كفلسطينية وليس كصحفية.

بعد ثلاثة أيام وليال حدد الجيش ساعة المغادرة، وكانت إحدى أجمل اللحظات التي عشتها على رصيف المستوطنة، كان الصحفيون ينتظرون الباص الذي سيقلهم خارج القطاع، وكنت مع زملائي نغني فرحا، كانت المستوطنة خالية، هادئة تماما، بيوتها معتمة، تتسلل اليها اشعة ضعيفة من حي فلسطيني على الجهة المقابلة منها، بيوته من الزينكو، تنقصه أبسط الخدمات والبنى التحتية، بقي الحي الفلسطيني وهدمت مستوطنة نفيه دكاليم عن بكرة أبيها.

كانت تلك الليلة آخر مرة وطئت فيها قدماي قطاع غزة، فقد أعلنه الاحتلال منطقة معادية، وحظر على الصحفيين مثلي ممن يحملون الهوية المقدسية اوأولئك الذين يحملون الهوية الإسرائيلية الدخول اليه، فساهمت اسرائيل دون قصد منها بأن تكون آخر ذكرى لي في القطاع هي تلك الأيام الجميلة.

انتاج وتحرير متعدد الوسائط

 

التصوير الرقمي