©2019 by Birzeit Digital Diploma. 

  • YouTube - Black Circle

آية العباسي

116030.jpg

التصوير الرقمي 

مشروع التخرج

Digital-Storytelling.jpg

انتاج وتحرير متعدد الوسائط

إنتاج التقارير بتقنية 360 درجة

FRATEE.-WRITING-FOR-DIDGITAL-MEDIA.jpg

الكتابة الصحفية للإعلام الرقمي 

Mobile_Journalism_001_2560.jpg

صحافة الموبايل 

الكتابة الصحفية للإعلام الرقمي

 

وزاد الأفق ضيقاً

ما زلت أذكر تلك المكالمة الهاتفية التي غيرت حياتي. في يوم بدا كغيره من الأيام، ما زلت أذكره بكل تفاصيله. صحونا باكراً، وكعادتنا في أيام كهذه حين يسمح لنا الوقت نتناول الفطور سويا.

 جلسنا برفقة الوالد، وأمي ما زالت واقفة كعادتها، تتأكد من أنها لم تنس أي طبق، ناولتنا أكواب الحليب، وجلست. 

تحدثنا يومها في كل شيء، حقاً أحاديث صباح رطبتها قطرات الندى. أذكر أن أختي أفنان قالت نكتة وضحكنا من الأعماق حتى فاضت عيناي ماء سعادة، زادت الصباح طراوة. قبلنا والدتي كما نفعل دائما، وخرجنا مسرعين.

أطلت أمي من نافذة غرفتها وأخبرتنا انها ستغادر المنزل عند الواحدة ظهرا لتذهب إلى الجامعة، فقد عادت لدراسة الماجستير، أومأ أبي برأسه قائلا لها اتصلي عليّ عندما ينتهي الدوام، أجابته هي بإيماءة مشابهة، أرسلت لنا قبلة سريعة، أغلقت النافذة وانطلقنا الى المدرسة.

مضى اليوم، حصص مدرسية، فسحة مع الأصدقاء، ومع نهاية الدوام انتظرنا والدي أكثر من نصف ساعة، فقد أخره حاجز قلنديا عن موعد انتهاء دوامنا. ثم جاء واستقللنا السيارة وبدأنا نسرد ما حدث معنا خلال اليوم بالتفصيل الممل، وما إن جاء دوري حتى رن هاتف والدي وكانت المتصلة والدتي. أجبت أنا، أخبرتني أنها أنهت محاضراتها وستنتظرنا في منزل خالتي، اتفقنا على ذلك وانتهت المكالمة.

لم تمض أكثر من خمس دقائق حتى رن الهاتف مرة أخرى، ظهر رقم محمد-ابن خال أمي-  أجبت أنا وإذا بأصوات تعلو من حوله، لم أفهم شيئا مما قال، لكنه طلب أن يحدث والدي، ركن أبي السيارة وتناول الهاتف.

منذ اللحظة الأولى التي استلم أبي فيها دفة الحديث، أدركت أن أمرا ما قد حدث، وجهه الذي تغير خلال ثوان أكد لي أن الخبر سيء. 

حمولتان من أساور الحديد المخصص للبناء سقطتا من رافعة بمحاذاة بناء يشيد في أبو ديس، تلقتهما والدتي بجسدها.. وهوت أرضا.

مشاعر غريبة انتابتني في تلك اللحظة، تصورات للمشهد، خوف وحزن، سياحة في عالم اللاوعي، تسارَعتْ نبضات قلبي، بكيت بلا دموع وكأن الصوت اختنق بداخلي، غبتُ عن الدنيا وعيناي مفتوحتان، شعور لن تصفه الكلمات. مفرداتي عجزت عن حمل ألمي.

لم يفصلنا عن الحادث أكثر من ربع الساعة، مرت كزحف حلزون. دقائق الألم ثقيلة وكأنها تنوء بثقل همها. 

وصلنا مكان الحادث وهالني ما رأيت، أدركت أن أمي حقا ليست بخير، حاولتُ التعافي بسرعة لأجل أخواتي الصغريات، تصبّرت لكنني حقا لم أفلح.

كانت سيارة الإسعاف على وشك التحرك، تبعناها نحن وثلاث سيارات أخرى من الأهل، فأمي من أبو ديس لذا فإن الأمر لم يتطلب أكثر من دقائق ليعلم به كل من في تلك البلدة الصغيرة. 

دقائق قليلة وخرجنا من معبر زعيم، وقفت سيارة الإسعاف أمام موقف الطوارئ وأخرج المسعفون السرير الذي يحمل والدتي، عندها رأيتها، رأيت يمامتي وقد أنهكها التعب، لم أتعرف على وجهها من كثرة ما فيه من ندوب، ولم أعِ شيئا بعد ذلك. 

اكتظت ردهة المشفى بوجوه أعرفها، تحدث عدد منهم معنا في محاولة للمواساة، واكتفيت أنا وأخواتي بإيماءة رأس، تلك الإيماءة التي تخبرك أنني ما زلت أتنفس لكن لم أعد على قيد الحياة.

مر شهر وعادت أمي الى عائلتها، لكن جزءا كبيرا منها كان قد تغير، ألم مستمر في رأسها، أطرافها لم تعد تساعدها، وأوجاع في الكبد. أصبحت رفيقتها على مدار الساعة، أمي التي لم تتناول مسكِّنا في حياتها، أضحى جسمها حقلا للأدوية. 

 تلك المكالمة قبل ثلاثة عشر عاما مثّلت نقطة تحول في حياة والدتي وحياتنا جميعا، انتقال من القمة الى القاع، أحداث لم تكن بالحسبان، ألم وحزن مستمران، رافقهما أمل وحنان ومحبة تعودنا أن نمد بعضنا بها في أوقات كهذه. عانت أمي لسنوات وما زالت، لكن إيمانها بالله وثقتها العالية به ساعدها كثيرا في التغلب على مصابها، والتحامل على نفسها في أحيان كثيرة، تمكنت من تجاوزها جميعا والمضي في حياتها قدماً. 

تجاوزت الألم وكتمت الآه بقدر حبها لعائلة بادلتها ذات الشعور، فكانت المعادلة الكاملة.

انتاج وتحرير متعدد الوسائط

 

التصوير الرقمي

 

صحافة الموبايل