©2019 by Birzeit Digital Diploma. 

  • YouTube - Black Circle

ريان هاشم

الكتابة الصحفية للإعلام الرقمي

قطعه من حياتي

كنت في السادسة من عمري عندما بدأت أحداث انتفاضة الاقصى عام 2000، وأخذت وتيرتها بالتصاعد الى ان شنت سلطات الاحتلال الاجتياح الاكبر الملحق بمنع التجول في كافة انحاء مدينة نابلس عام 2002 .

بدأنا الالتحاق بمجموعاتٍ تعليمية تسمى "التعليم الشعبيّ " لا ادري تماما كيف بدأت الفكرة ومن القائم عليها، كل ما اذكره تلك الغرفة الخالية من الادوات المدرسية اللازمة، نذهب كل صباح اليها مصطحبين وايانا تلك الكراسي الصغير ذات الالوان الزاهية، من اجل درس اللغة الانجليزية، لم نكن حينها نملك عدداً كافي من الكتب فكنا نتشارك وزميلي ذات الكتاب، ينتهي الدرس بنا لنبقى على امل اللقاء في اليوم التالي.
 أما عن المشاعر حينها فقد كانت الفرحة ممزوجة بالخوف وبالكثير من التناقضات ، ففي حينا  لا تدري متى سيداهم الاحتلال منزلك ويعيثوا به الخراب، أذكر أنهم استهدفوا في مرة أحدى البنايات التي يتعلم بها طلاب التعليم شعبي للمرحلة الاساسية العليا  أسفر عنها سقوط شهيدين وتحطيم منزلهم بالكامل، ولك اكثر ما كان يهون علينا هذه الاجواء المخيفة تلك العلاقة الغريبة التي كانت تجمع الجيران ببعضهم البعض فالألفة والمحبة والتماسك كانت هي سر بقائنا.

كان الشغف للهو في الشارع واللعب مع ابناء الحي يسرقنا من رتابة اليوم وبؤسه لساعات طويلة ليمضي بنا الوقت دون كلل او ملل  نلعب ونمرح هنا وهناك حتى تأتي الآلات العسكرية الغاصة وتفسد بحضورها اوقاتنا، ليصبح كل ما نتمناه في تلك اللحظات ان ننجو بأرواحنا منهم .
"ممنوع التجول، كل واحد يروح بيته"، هذه الجملة لم تغادر مخيلتي ابداً، أذكر جيدا واذكر ذاك المشهد عندما قام احد اصدقائنا بالاختباء اسفل سيارة ابيه خوفا من الآلات العسكرية، لم يشفع له الخوف للنجاة منهم على العكس تماما ، فقد هاجمه الجندي وابرحه ضرباً حاول اطلاق النار عليه ولكنه تراجع وذهب. 

 


في الليلة ذاتها وفي تمام الساعة الثالثة فجراً لم تتوقف طائرات الاحتلال عن القصف العشوائي للمدينة ، كان ازيز الرصاص يخترق السماء، والدبابات التي  تسير بصخب تشعرك وكأن منزلك سيقع على رأسك، عدى عن سواد الليل الذي يقتحم المنزل واصوات البكاء التي عمت المكان....لم تدري امي حينها ما الذي تفعله لتهدئ من روعنا، خاصة عندما وقفت الدبابة بجانب شرفة المنزل ليسود في الجو هدوء مفاجئ ،خوف عميق وبكاءٌ خافت، كان مصدر الامان لنا ايضا  هو ابانا ولكنه ليس معنا في البيت.
 عادت اصوات الرصاص من جديد والدبابات تطلق النار ايضا، لتشعر وكأنه اليوم الاخير في حياتك، كان منزلنا صغير يحيط به عدد من الشبابيك الكبيرة، الا ان هناك مكانُ واحدٌ امن إصطحبتنا اُمي الى المطبخ لنختبئ ونبتعد عن اصوات الرصاص اشعلت لنا بعض الشمع لإضاءة المكان واخذت تطمئننا وتردد لنا بعض كلماتٍ لنشعر بالأمان ، هاتفت ابي حينها بذاك الهاتف النقال ذات اللون البرتقالي لنشعر وكأنه وايانا اخذ يطمئننا ايضا ويقول ان علينا البقاء في مكاننا وبدأ يقص علينا واُمي  قصصا حدثت في الانتفاضة الاولى كان الخوف والضحك حاضران في انٍ واحد الى ان اطمئنت قلوبنا بعض الشيء ، بقينا في مكاننا دون حراك وازيز الرصاص خارجا مازال يعلو، سمعنا حينها صراخ قادم من البناية المقابلة لنا، كان يبدو ان احدهم أُعتُقل ، كانت ولا زالت سياسة الاحتلال همجية في الاعتقالات للشبان، فكانت توقفهم وتبقيهم لساعاتٍ طويلة مكبلي الاعين بملابسهم الداخلية كنوع من التعذيب النفسي .
انتهت بنا تلك الليلة المرعبة بتسلل النهار الى سمائنا وانسحاب الاحتلال من ارضنا ولكنهم اعتقلوا العديد من الشبان عدا عن التخريب الذي خلفوه ورائهم وما زرعوه في نفوسنا من خوف ورعب.

اما في الصباح فكان له حصة من تبادل الاحاديث بين ابناء الحي عما جرى في تلك الليلة ، تفقدوا البيوت والشوارع جامعين ما خلفه الاحتلال من رصاص.


ترك لنا اجتياح المدينة اغانٍ وطنية تردد على السن الجميع والعاب الاطفال التي تشربت الحرب في ملامحها كلعبة "جيش وعرب" التي  علقت في رأسنا من جراء ما شاهدناه تلك الفترة .
مشاهد مكرره من الاقتحامات الليلية والاصابات واستشهاد الشبان والنساء والاطفال مواقف عديدة ترسخت في ذهني واذهان الكثير من الاطفال لتترك بي اثراً كبيراً اكاد اذكرها جيداً ، وكأنها حصلت البارحة وكلما التقينا بالأصدقاء  والجيران نذكر تلك المواقف المضحكة فهناك العديد من الذكريات السعيدة المنغمسة بالمعاناة والالم .

شكل اقتحام القوات الإسرائيلية لمدينة نابلس اختراقاً للقوانين الدولية وحقوق الإنسان، راح ضحيته ما يقارب 75 شخص بحسب تقرير لجنة فلسطين الوطنية.